أحمد بن علي القلقشندي

47

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

اللَّه لأيامكم لا نهاية لحدّه ، فإنكم صرفتم وجه عنايتكم إلى هذا القطر على نأي المحلّ وبعده ، ولم تشغلكم الشواغل عن إصلاح شأنه وإجزال رفده . وأما البلد المحصور ، فظهر فيه من عزمكم الأمضى ما صدّق الآزال والظَّنون ، وشرح الصّدور بمقامكم وأقرّ العيون : من صلة الإمداد على الخطر ، وتردّد السابلة ( 1 ) البحرية على بعد الوطن وتعذّر الوطر ، واختلاف الشّواني ( 2 ) التي تسري إليه سرى الطَّيف ، وتخلص سهامها إلى غرضه بعد أنّى وكيف ، حتّى لم تعدم فيه مرفقة يسوء فقدانها ، ولا عدّة يهمّ شأنها ؛ فجزاؤكم عند اللَّه موفور القسم ، وسعيكم لديه مشكور الذّمم ؛ كافأ اللَّه أعمالكم العالية الهمم ، وخلالكم الزاكية الشّيم ؛ فقد سعد الإسلام - والحمد للَّه - بملككم الميمون الطائر ، وسرت أنباء عنايتكم بهذه البلاد كالمثل السائر ؛ وما هو إلا أن يستتبّ اضطراب الكفّار واختلافهم ، ويتنازع الأمر أصنافهم ، فتغتنمون إن شاء اللَّه فيهم الغرّة ( 3 ) التي ترتقبها العزائم الشريفة ، والهمم المنيفة ؛ وتجمع شيمكم الغليا ، بين فخر الآخرة والدّنيا ، وتحصل على الكمال الذي لا شرط فيه ولا ثنيا ( 4 ) ؛ فاهنأوا بهذه النّعمة التي خبأها اللَّه إلى أيّامكم ، والتّحفة التي بعثها السعد إلى مقامكم ، فإنما هي بتوفيق اللَّه ثمرة إمدادكم ، وعقبى جهادكم ؛ أوزعنا اللَّه وإيّاكم شكرها وألهمنا ذكرها . عرّفناكم بما اتّصل لدينا ، وورد من البشائر علينا ؛ عملا بما يجب لمقامكم من الإعلام بالمتزيّدات ، والأحوال الواردات ، ووجّهنا إليكم بكتابنا هذا من ينوب عنّا في هذا الهناء ، ويقرّر ما عندنا من الولاء ، وما يتزيّد لدينا بالأنباء ، خالصة إنعامنا المتميّز بالوسيلة المرعيّة إلى مقامنا ، الحظيّ لدينا ، المقرّب إلينا ، القائد

--> ( 1 ) السابلة : الطريق المسلوك . والسابلة أيضا : الذين يمرون عليه . ( 2 ) الشواني : السفن الحربية . ( 3 ) الغرّة : الغفلة . ( 4 ) الثنيا والثنوى : ما استثنيته ، قلبت ياؤه واوا للتصريف وتعويض الواو من كثرة دخول الياء عليها ، والفرق أيضا بين الاسم والصفة . والثنيا المنهي عنها في البيع ( الحديث ) : أن يستثنى منه شيء مجهول فيفسد البيع . ( انظر لسان العرب : 4 / 125 ) .